| هوامش مناورة.. الولاء كنظام وكعلاقة سياسية |
| 28/07/2010 | |
|
وإذ يمنح المركز الاستبدادي أولوية عليا لأمنه ودوامه، يُرجّح له أن يغذي أزمة الثقة بين رعاياه بما يبقى الطلب عاليا عليه، فيرفع من شأنه ويعزز مكانته. وفي المحصلة، من الوارد جدا في شروط كهذه أن تمر إعادة إنتاج السلطة العمومية عبر إعادة إنتاج التمزق الاجتماعي وفق منطق "فرّق تسد"، وليس العكس؛ بحيث تغدو "الدولة" الجهة الكافلة لدوام التجزؤ الاجتماعي، وليس بحال العاملة على صنع شعب أو بناء أمة مكونة من مواطنين أفراد. ولا تستطيع "الدولة" التي جعلت من الحكم المؤبد أولويتها العليا أن تحقق هذه الأولوية دون أن استخدام واسع ومنظم إلى العنف. بل دون أن تكون عنيفة جوهريا، الأمر الذي لا يعني اللجوء المتواتر إلى العنف، بل الاعتماد الدائم عليه، وممانعة الانضباط بقوانين أو قواعد مطردة لتنظيم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وضرورة أن ينغرس في أذهان الأخيرين بكل السبل أن "الدولة" قادرة على الذهاب بعيدا جدا في ضرب خصومها وسحق أي اعتراض عليها. تتكفل بذلك أجهزة مختصة، اسمها عادة هو أجهزة الأمن، لكنه وظيفتها هي صنع الخوف وتوزيعه ونشره على العموم. وعدا كونه وسيلة تأمين جوهرية للنظام، فإن العنف بذاته وسيلة تفريق. حيث ينتشر في الفضاء العام يحمل معه الخوف، فتتدنى ثقة الناس ببعضهم، وتتقاصر روابطهم الجامعة، ما يدفعهم إلى الانكفاء على الحياة الخاصة. ويبدو حال "الدولة" التي تتمحور سياستها حول تفريق محكوميها محققا في محيطنا. لا نعرف دولة عربية تنضبط سياستها المحلية بعملية بناء وطني متسقة (أو غير متسقة)، فتضع قواعد عامة وتطبقها، وتتعامل مع السكان كأفراد متساوين. بالعكس، تتوفر لدينا أمثلة كثيرة على أن الأولوية المطلقة هي لدوام المركز السلطوي في كل منها، وعلى ممارسة عنف واسع لحماية هذه الأولوية. وهو ما يتساوق في جميع الحالات مع إمعان المجتمعات المحكومة بالتجزؤ، وعلى تعميم علاقات المحسوبية والتمييز متعدد المستويات بين السكان، بما في ذلك ما يندرج تحت عنوان الطائفية والقبلية. ثمة منطق متماسك وراء ذلك: من شأن بنية وطنية متماسكة أن تكون أصعب قيادا على مركز سلطوي طامح للخلود من بنية مفككة توفر هامشا مريحا من المناورة والتلاعب بالمحكومين. 1 على أن هذه المقالة ستقتصر على تناول الوجه الأول من سياسة المناورة. 2 ولاؤهم يمنحهم نفاذا مميزا إلى ما في متناولهم من موارد عامة، أو إلى مواقع تدر ريوعا ومكاسب كبيرة نسبيا، يميل المركز السلطوي إلى التغافل عنها طالما هي مندرجة ضمن منطق استمرار البنية ككل. وكلما كانت المكاسب المحتملة أكبر أظهروا ولاء أشد. من جهة لإخراس أي شكوك أو مساءلات محتملة، ومن جهة ثانية لأنهم يطورون بالفعل عاطفة قلبية قوية حيال الأوضاع التي تضمن لهم هذا القدر من النفوذ والثراء والعز. والشيء الذي يضمن مزيدا من إبعاد الشكوك ومزيدا من المكاسب في آن ليس إلا المزيد من الولاء. بصورة عامة، المزيد من الولاء يمنح المزيد من الحرية حيال الدولة والموارد العامة، والمزيد من النفوذ والسلطة مقارنة مع الأقل ولاء. لكن "سوق" الولاء ليست حرة تماما. يطلب النظام ولاء الجميع، لكنه لا يكافئ المتساوين في الولاء مكافآت متساوية. يدخل في الحساب أهليات الموالين، أحسابهم وأنسابهم، وسجلات سوابقهم وأسبقياتهم. يشغل رأس السلسلة، بل الشبكة، الولائية الموالون الأكثر نفوذا في بيئاتهم الخاصة، أي الذين يستطيعون أن يكونوا مستقلين. وفي أسفلها عموم الموالين الذي لا عزوة لهم، والذين يعتمدون على النظام في كل شيء. يدخل في الحساب أيضا اختلاف الأزمنة. في أوقات الأزمات، يرتفع طلب المركز السلطوي على الولاء (ولاء القادرين على أن لا يكونوا موالين بخاصة) فيرتفع سعر هذا، بينما يتدنى في أوقات الرخاء. بالمقابل، لا يمنح الموالون ولاءهم دون ممانعة أو دون تفاوض، وهو ليس مضمونا دوما. الولاء العزيز، ولاء الوجهاء وما يعادلهم، يقابل بمكافآت أكبر وامتيازات أكبر وإعفاءات أكبر. لكن ما من ولاء مبذول بحيث يفقد أية قيمة. ولا أحد يمنح ولاءه مجانا. سنشير لاحقا إلى أن "الولاء" فاعلية أكثر إيجابية مما يبدو، أو أنه "سياسة" لا تخلو من مبادرة وتدبّر و"عقلانية". 3 في هذا المساق، نلمس تناقضا لا حل له في موقف الدولة الخاصة من الدولة العامة. من ناحية لا تكف عن تسخيرها لمصالحها الخاصة وإقطاعها لمحاسيبها ومواليها، ومن ناحية ثانية ينبغي مساعدة الدولة العامة على البقاء كي تُسخّر وتُقطع وتُحلب. لا تستطيع الدولة الخاصة الانضباط بمنطق الدولة العامة دون أن تلغي ذاتها، ولا تستطيع تقاسم الدولة العامة بين أعوانها ومواليها دون أن تقوض حاملها العام، فتفتح بابا لمنازعات لا تنتهي بينهم. إن إيديولوجيتها المشرعة قائمة على تغذية اللبس بين الدولتين، على أن الدولة الخاصة هي الدولة العامة، أو على أن الدولة العامة لا تطابق نفسها فعلا إلا حين تتشكل في صورة هذه الدولة الخاصة. لكن المحصلة العملية هي بقاء الدولة العامة مكسورة الظهر، لا تنهض ولا تتقدم، ولا تموت. فإذا كان القانون الحديدي للنظام الولائي الصرف هو ترقي الأسوأ (لأن الأدنى كفاءة هم عموما الأشد ولاء، والأحظى بفرص الترقي)، فإن الوجه الآخر لهذا القانون هو انحدار الدولة العامة (هذه تتطلب أعلى الكفاءات، لكن الكفاءات الأعلى تُطرد لكونها أكثر استقلالية وأقل ولاء). نتكلم على نظام ولائي صرف، يعتمد على الولاء حصرا ولا يقبل بأية هوامش استقلالية، لنميزه عن نظام ولائي ممزوج، يقبل بدرجة من الاستقلالية عنه لكن ضمن إطار الولاء العام له. ويبدو لنا أن الاتجاه العام لتطور النظام السياسي في سورية هو نحو الولاء الممزوج، بعد أن كان يعتمد على الولاء الصرف في عهده السابق. لكن الفارق يبقى محدودا. ويقع على النواة الصلبة للدولة الخاصة وضع السياسات التي تضمن إبقاء الدولة العامة حية، لكن دون كيان مستقل. أما هوامش المناورة التي يتيحها الولاء لعموم الموالين، فيلزم أن تنضبط بهذه السياسة العليا. وهو ما يعني أن "مكافحة الفساد" لا تثمر إلا بقدر ما توضع في سياق تغيير النظام ككل، أو تحرير الدولة العامة من الدولة الخاصة، وتغيير الأولوية العليا من حماية الدولة الخاصة ودوامها إلى حماية الدولة العامة وتحويل الدولة الخاصة إلى وظيفة حكم مؤقتة. 4 لكن ليست حال الأشد حرمانا غير حالة قصوى تكشف ما ألمحنا إليه فوق من الطابع المركب و"التعاقدي" والإيجابي للولاء، بما في ذلك ولاء المتوسطين والكبار. ليس هذا تبعية سلبية، وليس حبا أفلاطونيا، ولا هو خوف صرف؛ إنه منفعة متبادلة وخيار "عقلاني". لا يتردد في بذل الولاء من يجنون منه تسهيلات متنوعة. ولا ينال النظام ولاء واسعا ومستمرا إلا بقدر ما يوفر من منافع فعلية. فإن طال غياب المنافع انحسر الولاء، وسار في طريق التلاشي. والقصد أن النظام أو الدولة الخاصة مقيد بهذا الضرب من "العقد الاجتماعي"، بقدر لا تتيح لنا رؤيته تصوراتنا الشائعة عن "القمع" و"الاستبداد". فإن استهترت الدولة الخاصة بهذا العقد، وقفت على ساق القمع وحدها، وكانت بالتالي أقل توازنا وأكثر عرضة للسقوط. 5 نريد أن الولاء ليس مصدر مكاسب مادية، بل هو أكثر مصدر علاقات استتباعية. وهو كذلك حين يكون ممزوجا، يتقبل درجة من استقلال الموالين، أكثر حتى مما حين يكون صرفا. هذا لأن صيغة الاستقلالية المفضلة هي تلك التي تعتمد على الأعيان والنافذين في أوساطهم الخاصة، وليس على الكفاءة الفردية. تعمل هذه الظاهرة كمضخة قوية للعلاقات الأهلية في الدولة والمجتمع. بعيدا عن الدولة التنظمياتية التي تخترق المجتمع وتشكله من أفراد على ما اعتقد عزيز العظمة، نحن حيال دولة عرفية خاصة، تعشش فيها روابط وعلاقات أهلية، تشكلت على صورة النظام الولائي ومثاله. 6 2. لا تقول هذه المقالة شيئا عن تشكل المركز السياسي، أو النواة الصلبة للدولة الخاصة، وهي التي تتولى السياسة العليا الموجهة نحو بقاء النظام. هذه تتكون أساسا بالحرب وبالحب، بالعنف السائل أو السهل التسييل وبالالتحام (أو "العصبية"). القوة تخيف وتمزق وتفرق، والحب يوحد ويلحم. فإذا كانت السياسة وسطا بين العنف المنفلت (حيث السياسة غير ممكنة) وبين الحب الخالص (السياسة غير لازمة)، كان المركز السياسي مزيجا مكثفا منهما معا. لذلك حين ينهار المركز، تتفكك السياسة إلى عنف حربي منتشر، وإلى حب جزئي خاص. 3. نميز، ختاما، بين آليتين وسياستين للنظام: آلية تكون النواة الصلبة، وهي الحب والحرب كما قلنا، وآلية إكساء هذه النواة وحجبها عن الأنظار، وهي تقوم على الولاء و"السياسة". وعليه فإن الكلام على نظام ولائي كما قلنا في المتن هو بمثابة وصف النظام بآليات عمله، لا بعمليات تكونه. وهناك سياستان أيضا. سياسة كبرى تحتكرها النواة الصلبة للدولة الخاصة، وسياسة صغرى موزعة اجتماعيا، ويحصل أن يحوز عموم الموالين دورا مبادرا فيها. النهار |