| مونديال جنوب أفريقيا 2010 كان مسرحاً لحربِ عالمية باردة |
| 28/07/2010 | |
|
شيروان شاهين مونديال كرة القدم الذي تحول في لحظة من لحظات المنافسة إلى حرب أشبه بحرب عالمية, ولكنها حرب باردة! من دون نيرانّ أو قنابل..! فالعالم كله كان منقسما بين 32 معسكراً وصولا إلى المعسكرين النهائيين, الذي سقط أحدهما وبقي الأخر منتصرا, القطب الأوحد –إسبانيا- وبذلك انتهت الحرب. فكرة كرة القدم تلك اللعبة الشعبية التي دخلت قلوب الملايين وسكنتها لتزرع فيها المتعة والسعادة, انطلاقا من الأحياء الفقيرة –موطنها- ووصولا إلى قصور الملوك والأثرياء..! هكذا ولدت كرة القدم بين الفقراء في أحياء الموت ولكنها اليوم غدت قنبلة الموت! ومصدر قلاقل وصراعات سياسية.. ومونديال جنوب أفريقيا شاهد حي على ذلك, حيث بدأ مسلسل التدخل والصراع السياسي بسبب الكرة عندما هُزم الفريق الفرنسي وخرج من المونديال بأشد هزيمة, وهذا ما شكل صدمة قوية للمجتمع الفرنسي ومما أضطر إلى تدخل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي, واستدعاء قائد الفريق الفرنسي هنري لفهم الأسباب, في وقت ارتفعت فيه درجة التوتر من حالة رياضية إلى حالة قومية وتوتر سياسي وخصوصا عندما وصفت وزيرة الرياضة والشباب الفرنسية روزلين باشلو, لاعبين الفريق (الذي أغلبهم من الضواحي الفقيرة ومن أبناء الهجرة من أصول أفريقية ومغاربية ) بأنهم "قادة عصابات الاحياء" ودخول البرلمان على خط الأزمة للمرة الأولى كحدث طارئ وكأنه يناقش قضية مصيرية للدولة, عندما قام باستدعاء مدرب الفريق ورئيس الاتحاد الرياضي ومساءلتهم في البرلمان بعد أن قدما استقالتهما طواعية, وكانت الفيفا قلقة مما يجري وأعربت عن حفيظتها وخصوصا بأن السيناريو الفرنسي تكرر في نيجيريا عندما تدخل رئيس البلاد وقام بإيقاف النشاط الكروي لمدة سنتين وذلك بسبب هزيمة الفريق الوطني في المونديال وقام بإقالة رئيس الاتحاد والمدرب وكل من له علاقة بالموضوع, إلا أن الفيفا تدخلت وألغت العقوبات مهددة الرئيس النيجري الذي تراجع بدوره عن قراراته, وأستمر مسلسل التدخل الرئاسي في شأن الفرق الكروية المونديالية, تلك الفرق التي لم تجد آذانّ صاغية يوم ما من أحد, وخاصة كما أسلفنا بأنها وليدة البيئات الفقيرة. فبعد الهزيمة القاسية للمنتخب البرازيلي على يد الهولنديين أٌسُتقبل الفريق البرازيلي بالشتائم من قبل جمهور بلاده الذي أعلن غضبه وفورته .. مما أضطر الرئيس البرازيلي (لويس ايناسيو لولا دا سيلفا) -والذي كان مصدوما بالنتيجة أيضا- بأن يصرح بأن فريق بلاده سيحصل على مونديال 2014 مخففا بذلك عن حالة الحزن التي تعيشها البلاد نتيجة الخسارة. كما أن حرارة الصراع بين الفرق أخذت بُعدا أكبر من حجم الولاء للفريق الوطني وأخذ هذه المرة طابعا قاريا في هذا المونديال -الذي هو بالفعل أشبه بحرب عالمية- عندما بعثَ نيلسون مانديلا بخطاب مساندة إلى الفريق الغاني في مباراته ضد فريق أوروغواي, معتبرا الفريق الغاني آخر ممثلي الآمال الأفريقية في المونديال, كما قام مانديلا باستقبال أعضاء الفريق الغاني في منزله بعد خروجه من المونديال في دور الثمانية وذلك تكريما لأداء الفريق المشرّف في كأس العالم, كما لم يغب على أحد حضور الشخصيات السياسية التي شوهدت في المنصات وهم يشجعون فرقهم, وكأنهم يبحثون عن مجد سياسي, بيل كلينتون الرئيس الأمريكي السابق, والمستشارة الألمانية إنجيلا ميركل, وملكة إسبانيا... إضافة للمستضيف رئيس جنوب إفريقيا ياكوب زوما,وشهدت الأرجنتين مثل مثيلاتها من الفرق الأخرى موقفا رئاسيا ولكنه مؤازر هذه المرة, عندما عبرت رئيسة الأرجنتين \كريستينا كيرشنر\ عن دعمها لكيفارا كرة القدم مارادونا, بعد خسارته أمام ألمانيا ودعته إلى زيارتها في القصر الحكومي, ووصفت مارادونا قائلة "لم يقدم لنا أحد سعادة مماثلة على أرض الملعب على غرار دييغو أرماندو مارادونا", كما أن المشهد الرياضي الرئاسي طال التشيلي أيضا عندما خطبَ الرئيس التشيلي\ سيباستيان بينيرا\ بالجماهير الحاشدة المبتهجة عند القصر الرئاسي بعد خسارة فريقهم أمام البرازيل في دور الستة عشر, قائلا "هذا أفضل أداء في نهائيات كأس العالم في تاريخ تشيلي خارج أرضها, أن نكون بين أفضل عشرة منتخبات في العالم شيء يجعل الجميع في تشيلي يشعرون بالفخر". هكذا كانت مواقف الرؤساء في مونديال جنوب أفريقيا 2010, الذي ظننا بأنه مجرد مهرجانّ كروي لا أكثر, ولكننا تفاجئنا بإن نتائجه تناقش في البرلمانات.. وقصور الرئاسة, وتفرض عقوبات من قبل الرؤساء, ورؤساء يلعبون دور الحمامات لتخفيف عن ألم الخسارة وقسوتها.. نعم هكذا كان مشهد المونديال في أفريقيا, ذلك المونديال الذي كان يوما ما يذهب لاعب كرة القدم للعب فيه بهدف المتعة الرياضية والفوز, فلماذا الآن كل هذا الاهتمام بهذا المونديال الذي تحول من حالة رياضية إلى حالة صراع..! يقول اللاعب الأوروغواياني لويس سواريز "في أميركا اللاتينية الحدود بين كرة القدم والسياسة متداخلة وهناك قائمة طويلة من الحكومات التي أطيح بها بعد هزيمة المنتخب الوطني", فلماذا يا ترى تتدخل السياسة في الشأن الرياضي كما يقول هذا اللاعب, فبحسب أحدى النشرات الرياضية لقناة العربية بأن مجموع الجوائز المالية لكل فريق على حدا من الفرق الأربعة الفائزة في المونديال تتراوح قيمتها/62 مليون دولار للأول و56 مليون دولار للثاني و52 مليون دولار للثالث و50 مليون دولار للرابع\, كما سمعنا من بعض المعلقين أثناء المباريات عبارات مثل إمبراطورية الفيفا, وذلك نتيجة للثروات الطائلة التي تملكها.. وفي نفس السياق قال أحد المعلقين عصام الشوالي عن المباراة النهائية , لو فازت هولندا فإن اقتصادها سينتعش بقيمة 3 مليار دولار, حقيقة هذا هو أحد الأسباب المباشرة وراء تدخل الساسة في المونديال.. إضافة للحرب الإعلامية التي كانت وقودها الصحف الغربية والتي لم تترك ولا زاوية لم تعلق عليها وتفتح أفاق النقد الجارح على الفرق وتثور الجماهير المونديالية للفرق الخاسرة, حيث بات اليوم وكما لاحظنا في هذا المونديال بأن يدخل لاعب كرة القدم المباراة من أجل ثلاثة أشياء, أولا الفوز والمتعة لأن هذا هدفه الأول, وثانيا المكسب المالي والنجومية من خلالها, وهذا مما جعل معظم اللاعبين يتحولون إلى سلع تجارية ذات مبالغ خيالية, بالإضافة إلى اعتماد بعض الدول على الفائدة المادية التي تجنيها من هذه الرياضة لتحسين أوضاعها, ثالثا وهو الأهم برأي تحقيق نصر معنوي لمنتخبه الوطني لكي توظفه الحكومة في صالحها وتستفيد من هذا النصر في ظل غياب النصر السياسي, وذلك من خلال الاستفادة من حالة الفرح العام وتجمهر الجماهير وبذلك تستطيع الحكومة توجيههم كما تشاء, وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بمعظم بلدان العالم ومما خلق حالة نقم شعبي على الحكومات لتردي الأوضاع المعيشية, فحاولت معظم هذه الحكومات استغلال المونديال لتحويل أنظارهم عن المشاكل الاقتصادية ومن ورائها المشاكل السياسية, وذلك باستثمار هذا المونديال لخلق انتصارات وهمية وكسب تأييد شعيبي كبير, وكل ذلك على أكتاف لاعب كرة القدم الذي يلعب هو بألا ساس من أجل المتعة الرياضية, ولكنه وجد نفسه فجأة أمام مهمة شاقة مهمة تمثيل أمة وذلك من أجل كل تلك الأسباب التي ذكرناها مع الجانب المادي, مما جعل لعبة كرة القدم تنحرف عن مسارها البسيط, مسار لعبة الأحياء الفقيرة إلى مسار لعبة الصراع والتوظيف السياسي وإلى بورصة ومقمرة عالمية للمتراهنين لا مثيل لها. ولنا من التاريخ حكمة, فسابقا أذا أراد جيشان أن يتحاربان, فكانت الحرب تستبدل بمبارزة فردية بفارس من كل طرف تجنبا لإراقة الدماء, والفارس المنتصر كان بطبيعة الحال جيشه منتصرا. فهل اليوم أو غدا أو بعد غد سنجد بإن لعبة البسطاء والفقراء, ستأخذ شكلا آخر شكلا يعتمد على المقامرة الفاحشة والتوظيف السياسي, أم أن القائمين عليها من العقلاء سيعيدون النظر في منطقها لتعود كما كانت, لعبة البسطاء والفقراء لعبة كل الناس, أم أن الأمور فلتت من أيديهم وخرجت عن مسارها وبالتالي سنكون مقبلين على الرياضة المستغلة سياسيا وماديا كما أسلفنا, وبالتالي سنرى في المستقبل القريب أو البعيد بأن الصراع بين الدول سيعبر عن نفسه بمباراة كرة قدم بين الدولتين المتنازعتين, والفريق الفائز يمثل الدولة المنتصرة بالحرب! تماما كما في حالة الفارسين في العصور القديمة, ولكن لن يخفى على احد فهل سنشهد عصر وزارات الدفاع مُشرفة على كرة القدم ومونديالاتها بدل من الفيفا, وتستبدل وزارات الرياضة والشباب بوزارات الدفاع التي لها أساليبها الخاصة في اللعب! ويتحول اللاعبين والنجوم إلى جنود مشاة وجنرالات, والمدربين إلى مستشارين ووزراء دفاع.. ويعود العالم من جديد, ليتكلم بلغة الصراعات والحرب الباردة, ولكن هذه المرة في الميادين الخضراء التي كانت يوم ما حلم الفقراء وأملهم من أجل لحظة سلام وسعادة..!. |